محمد الريشهري

246

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

أرادتهم الدنيا فلم يُريدوها ، وأسَرَتهم ففدَوا أنفسهم منها . أمّا الليلُ فصافّون أقدامهم ، تالين لأجزاء القرآن يُرتّلونها ترتيلاً . يُحزِّنون به أنفسَهم ، ويستثيرون به دواء دائهم ، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً ، وتطلّعت نفوسهم إليها شوقاً ، وظنّوا أنّها نصب أعينهم ، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في اُصول آذانهم ؛ فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم وأكفّهم ورُكَبهم وأطراف أقدامهم ، يطلبون إلى الله تعالى في فَكاك رقابهم . وأمّا النهار فحلماء علماء ، أبرار أتقياء . قد براهم الخوفُ بَرْيَ القِداح ( 1 ) ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض ، ويقول : قد خولطوا ! ، ولقد خالطهم أمر عظيم ! لا يرضَون من أعمالهم القليلَ ، ولا يستكثرون الكثير . فهم لأنفسهم متّهِمون ، ومن أعمالهم مشفِقون . إذا زُكِّي أحد منهم خاف ممّا يقال له فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربّي أعلم بي من نفسي . اللهمّ لا تؤاخذْني بما يقولون ، واجعلني أفضل ممّا يظنّون ، واغفر لي ما لا يعلمون . فمن علامة أحدهم أنّك ترى له قوّة في دين ، وحزماً في لين ، وإيماناً في يقين ، وحرصاً في علم ، وعلماً في حلم ، وقصداً في غنىً ، وخشوعاً في عبادة ، وتجمّلاً في فاقة ، وصبراً في شدّة ، وطلباً في حلال ، ونشاطاً في هدىً ، وتحرّجاً عن طمع . يعمل الأعمال الصالحة وهو على وَجَل . يُمسي وهمّه الشكر ، ويُصبح وهمّه الذِّكر . يبيت حذِراً ، ويُصبح فرِحاً ؛ حذِراً لما حُذِّر من الغفلة ، وفرحاً بما أصاب من الفضل والرحمة . إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يُعطِها سؤلها

--> ( 1 ) القِداح : جمع قِدْح ؛ السهم قبل أن ينَصَّل ويُراشَ ( لسان العرب : 2 / 556 ) .